طرح الكاتب محمد بازي تساؤلات بشأن احتمال استئناف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حربًا واسعة النطاق ضد إيران عقب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، في ظل تقارير تحدثت عن استعدادات لشن جولة جديدة من الضربات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية تستهدف المنشآت النووية الإيرانية تحت الأرض، ومخازن الصواريخ، والبنية التحتية المدنية. ويرى بازي أن تجدد القصف لن يقرب واشنطن من التوصل إلى اتفاق مع طهران، بل قد يدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع ويعمق تداعيات الحرب التي أشعلها ترامب قبل ثمانية أشهر.
وبحسب مقال رأي للكاتب محمد بازي، نشرته صحيفة «الجارديان»، تزايدت خلال الأسابيع الماضية التساؤلات بشأن قرار ترامب المحتمل باستئناف الحرب على إيران بعد الانتخابات الأمريكية، بعدما سرب مسؤولون خططًا لتنفيذ جولة جديدة من الضربات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وإذا كان ترامب قد أحجم عن استئناف الحرب قبل الانتخابات خشية تكبد الجمهوريين خسائر انتخابية أكبر، في ظل غضب الناخبين من ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة، فإن الضغوط الانتخابية قد تتغير حساباتها بعد 3 نوفمبر.
لكن حتى إذا نجح الرئيس الأمريكي في تجنب خسائر أكبر لحزبه، فإن تجدد القصف لن يضمن اقترابه من إبرام اتفاق يسمح له بإعلان النصر وتجاوز تداعيات الصراع الذي بدأه قبل ثمانية أشهر.
ترامب أمام مأزق الحرب.. القصف لن يفرض اتفاقًا على إيران
لا يستطيع ترامب، بحسب الكاتب، الخروج من المأزق الذي صنعه في إيران عبر المزيد من القصف. إذ يستند أحد المبررات الرئيسية التي يطرحها البنتاجون إلى أن شن هجوم مكثف يستمر عدة أيام قد يجبر طهران على تقديم تنازلات جديدة في المفاوضات المتعثرة. غير أن هذا التصور يعيد إنتاج الخطأ الذي دفع الولايات المتحدة إلى خوض الحرب من الأساس، عندما اعتقد ترامب أن النظام الإيراني سينهار خلال أيام من هجوم مفاجئ أسفر عن مقتل كبار قياداته.
ولا تظهر مؤشرات كثيرة على أن ترامب تعلم من الأخطاء التي قادته إلى هذا المأزق، لا سيما أنه تعهد مرارًا أمام أنصاره بعدم إشعال حروب جديدة في الشرق الأوسط. وعلى مدار أشهر، سعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى إقناع ترامب بمشاركة إسرائيل في حرب تستهدف تغيير النظام في طهران، ويواصل نتنياهو مساعيه حاليًا لدفع واشنطن إلى استئناف القصف.
وخلال اتصال هاتفي جرى السبت الماضي، حث نتنياهو ترامب على استئناف الضربات بعد فترة وجيزة من انتخابات التجديد النصفي، في وقت يسعى فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى الحفاظ على مستقبله السياسي، عقب إخفاق ائتلافه الحكومي اليميني في الحصول على الأغلبية خلال الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية التي جرت الأسبوع الماضي.
ومع ذلك، قد يختار الرئيس الأمريكي التوصل إلى اتفاق مع إيران بدلًا من توسيع نطاق الحرب.
فخلال الأسبوع الماضي، نظم وسطاء قطريون جولات متعددة من المحادثات مع مسؤولين إيرانيين في محاولة لمنع اندلاع موجة جديدة من القتال العنيف. وأفادت تقارير بأن تلك المباحثات أحرزت تقدمًا بشأن اتفاق مؤقت، عرضت إيران بموجبه إعادة فتح مضيق هرمز خلال يومين، مقابل موافقة واشنطن على رفع الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية والإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة.
وكانت إيران قد أغلقت المضيق إلى حد كبير عقب الهجمات الأمريكية والإسرائيلية في أواخر فبراير، وهو الممر الملاحي الحيوي الذي كان يعبره يوميًا أكثر من خُمس إمدادات النفط العالمية.
لكن اتفاقًا مؤقتًا جرى التوصل إليه في يونيو لإعادة فتح مضيق هرمز انهار لاحقًا، كما تعثرت لأشهر مفاوضات أخرى قادتها قطر وباكستان. ويعمق انعدام الثقة بين واشنطن وطهران صعوبة التوصل إلى تسوية، بينما يزيد ترامب الموقف تعقيدًا بتأرجحه بين الرغبة في إبرام اتفاق والتهديد المتكرر بـ«إبادة» إيران.
وخلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر، تساءل ترامب عما إذا كان ينبغي التوصل إلى اتفاق مع إيران يسمح لها بإعادة البناء والتحول إلى دولة أقوى مما كانت عليه، أم القضاء على الجمهورية الإسلامية بسرعة ودفعها إلى الجحيم.
ورغم أن وسائل الإعلام عادة ما تتعامل مع تهديدات ترامب باعتبارها جزءًا من خطابه التصعيدي، فإن تعهداته بمحو إيران تزرع مزيدًا من الشكوك لدى القيادة الإيرانية. وقد يستغل الرئيس الأمريكي خسارة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي ذريعة للانتقام من القادة الإيرانيين، الذين يحملهم مسؤولية ارتفاع الأسعار وتراجع شعبيته إلى مستويات قياسية متدنية بلغت 30% مطلع أكتوبر.
خسارة الجمهوريين قد تدفع ترامب إلى تصعيد عسكري جديد
إذا تكبد الجمهوريون هزيمة كبيرة في الانتخابات، فقد تدفع نزعة ترامب إلى اتخاذ قرارات متسرعة ورغبته في الانتقام إلى إصدار أوامر بشن هجوم واسع النطاق لا يقتصر على المنشآت النووية الإيرانية، بل يمتد إلى البنية التحتية المدنية، بما يشمل محطات الكهرباء ومصافي النفط والجسور والمصانع.
ويحذر الكاتب من أن تنفيذ ترامب تهديداته المتكررة بتدمير البنية التحتية الإيرانية قد يؤدي إلى مزيد من التدهور الحاد في الاقتصاد الإيراني، فضلًا عن أن تلك الهجمات قد تشكل جرائم حرب بموجب القانون الدولي.
ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤول أمريكي قوله الأسبوع الماضي إن ترامب قد يلجأ إلى خطوة جريئة إذا شعر بالإحراج أو التهميش، في إشارة إلى احتمال رد فعله على هزيمة انتخابية مهينة. وقد يتمثل هذا السيناريو في سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونجرس، وحصولهم على أغلبية أكبر من المتوقع، لا سيما في مجلس الشيوخ.
وخلال تجمع انتخابي في ولاية فلوريدا الشهر الماضي، قال ترامب إنه يدرس تنفيذ «جولة صغيرة أخرى من عملية الغضب الملحمي»، في إشارة إلى حملة القصف الأمريكية الإسرائيلية التي استمرت أسابيع ضد إيران وبدأت في 28 فبراير.
وخلال الساعات الأولى من الحرب، قتلت الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية عشرات المسؤولين العسكريين والسياسيين الإيرانيين البارزين، من بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي.
في البداية، أغرى احتمال تحقيق انتصار سريع ترامب، إذ اعتقد أن بإمكانه ونتنياهو إسقاط النظام الإسلامي الذي وصل إلى السلطة عقب الثورة الإيرانية عام 1979.
لكن النظام الإيراني أبدى استعدادًا للقتال من أجل البقاء، رغم اغتيال أبرز قياداته؛ إذ ردت طهران بشن هجمات صاروخية وباستخدام الطائرات المسيرة ضد القواعد العسكرية الأمريكية في أنحاء الشرق الأوسط، وأغلقت مضيق هرمز، ودمرت خطوط أنابيب النفط وحقول الغاز في دول خليجية مجاورة، ما دفع أسعار الطاقة العالمية إلى الارتفاع.
وسارعت القيادة الإيرانية كذلك إلى تعيين مجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى الراحل، خلفًا لوالده، مع توسيع نفوذ التيار المتشدد داخل الحرس الثوري الإيراني، أقوى المؤسسات العسكرية في البلاد.
وبذلك، انتهت حرب ترامب باستبدال خامنئي بآخر، وتعزيز قدرة القيادة الإيرانية على استخدام سيطرتها على مضيق هرمز كورقة ضغط لانتزاع تنازلات جديدة. ويقول مسؤولون إيرانيون إن بلادهم سترد على أي حملة عسكرية أمريكية جديدة تستهدف بنيتها التحتية بشن هجمات واسعة النطاق على القواعد الأمريكية ومنشآت الطاقة في دول الخليج المجاورة.
السبت الماضي، حذر مجتبى خامنئي من أن الرد الإيراني سيكون «فوريًا» و«دون أي قيود جغرافية»، في إشارة إلى احتمال امتداد الضربات الإيرانية إلى أهداف خارج منطقة الشرق الأوسط.
هل يختار ترامب التسوية أم يكرر أخطاء الحرب؟
خلال الأيام المقبلة، ستتضح قدرة ترامب على تجاوز كبريائه ورغبته في الانتقام، واختيار التوصل إلى اتفاق مع إيران، أو العودة إلى الأخطاء نفسها والحسابات المفرطة في الثقة التي دفعته إلى إشعال هذه الحرب الكارثية من البداية.
ويخلص الكاتب إلى أن تجدد الحرب لن يضمن لواشنطن تحقيق أهدافها السياسية أو العسكرية، بل قد يوسع نطاق المواجهة ويضاعف الأضرار الاقتصادية والأمنية التي تطال إيران ودول المنطقة، في وقت لا تزال فيه المفاوضات الدبلوماسية تتيح فرصة للتوصل إلى تفاهمات بشأن مضيق هرمز والملفات العالقة بين البلدين.
https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/nov/03/trump-iran-war-after-midterm-elections

